الشيخ محمد الصادقي الطهراني
390
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الشركية ، ولأن « إستجارك » طليقة ، فكذلك « أجره حتى يسمع كلام اللَّه ثم أبلغه ما منه » . فلا تفتكر أنه قد يخدعك باستجارتك كاذباً فلا تأجره ، بل تأسره ، اللَّهم إلَّا بأكيد الكيد الخطِر اللعين المكين ، حيث يعني خطراً على الصف المسلم ، فالأصل - إذاً - هو الإجارة بالإستجارة ، إلا فيما يستثنى حفاظاً على الأهم من صالح المجموعة المسلمة . ولكن « أحدٌ من المشركين » أياً كان ، وهو في إجارة قيادة القوات المسلحة ، لا يخشى منه خطرٌ على فرد فضلًا عن المجموعة ، فلكي تكون حجة الحق هي العليا قد نجيره لمَّا يستجير ، آمنين عن كيده وميده ، ثم « أبلغه مأمنه » حيث الموضوع هو طليق الإستجارة فله طليق الإجارة وإبلاغ المأمن . ذلك ، فاحتمال أن أحداً من المشركين يستجير لكي يستنير يمنع عن ملاحقته ، حيث القص منها دفع نائرة الفتنة القاطعة ، فحين يرجى زوالها جراً إلى الإيمان والرحمة فلماذا بعدُ استمرار الملاحقة ، « 1 » بل وإذا لا نحتمل فعلَّ الواقع الخارج عن الاحتمال يحتمل تحرِّيه أو تنبهُّه ، بل وإذا نتأكد ألَّا خير فيه ولا شرَّ . وهنا « حتى يسمع كلام اللَّه » قد تفسر المعني من هذه الإستجارة أنها تقصد التحري عن الحق المُرام ، ولكن « حتى يسمع » ليس جزاءً للشرط ، إنما هو من الغايات الصالحة للجزاء . ثم إذا يسمع كلام اللَّه لا ينتظر منه فورُ الإيمان ، بل « ثم أبلغه مأمنه » ليجيد التفكر ويعيد النظر إجالة له دون عُجالة حتى يرتكن الإيمان في قلبه ، وهذه العناية الأدبية هي غاية ما يمكن رعايته منها ، تحرياً عن مواضع الإسترشاد فالرشاد ، دون رفض للمستجير زعم أنه كاذب أو محتال ، فالأصل - على حائطه - صدق المستجير ، ما فيه
--> ( 1 ) . في تفسير الفخر الرازي 15 : 226 نقل عن ابن عباس أنه قال : إن رجلًا من المشركين قاللعلي بن أبي طالب عليه السلام : إن أردنا أن نأتي الرسول صلى الله عليه وآله بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام اللَّه أو لحاجة أخرى فهل نقتل ؟ فقال علي عليه السلام : لا - إن اللَّه يقول : « وإن أحد من المشركين استجارك فأجره . . »